القرطبي

395

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

جبريل عليهما السلام ، فقلت : هذا دحية يا رسول الله ؟ فقال : " هذا جبريل عليه السلام " . قال : " يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم ) ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فكيف لي بحصنهم " فقال جبريل : " فإني أدخل فرسي هذا عليهم " . فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا معروري ( 1 ) ، فلما رآه علي رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، لا عليك ألا تأتيهم ، فإنهم يشتمونك . فقال : " كلا إنها ستكون تحية " . فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا إخوة القردة والخنازير ) فقالوا : يا أبا القاسم ، ما كنت فحاشا ! فقالوا : لا ننزل على حكم محمد ، ولكنا ننزل على حكم سعد بن معاذ ، فنزل . فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بذلك طرقني الملك سحرا " . فنزل فيهم " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون " . نزلت في أبي لبابة ، أشار إلى بني قريظة حين قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ ، لا تفعلوا فإنه الذبح ، وأشار إلى حلقه . وقيل : نزلت الآية في أنهم يسمعون الشئ من النبي صلى الله عليه وسلم فيلقونه إلى المشركين ويفشونه . وقيل : المعنى بغلول الغنائم . ونسبتها إلى الله ، لأنه هو ( 2 ) الذي أمر بقسمتها . وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه المؤدي عن الله عز وجل والقيم بها . والخيانة : الغدر وإخفاء الشئ ، ومنه : ( يعلم خائنة الأعين ( 3 ) ) وكان عليه السلام يقول : ( اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئست البطانة ) . خرجه النسائي عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، فذكره . ( وتخونوا أماناتكم ) في موضع جزم ، نسقا على الأول . وقد يكون على الجواب ، كما يقال : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . والأمانات : الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد . وسميت أمانة لأنها يؤمن معها من منع الحق ، مأخوذ من الأمن . وقد تقدم في " النساء " القول في أداء الأمانات والودائع ( 4 ) وغير ذلك . ( وأنتم تعلمون ) أي ما في الخيانة من القبح والعار . وقيل : تعلمون أنها أمانة .

--> ( 1 ) عريانا . ( 2 ) من ج . ( 3 ) راجع ج 15 ص 301 فما بعد . ( 4 ) راجع ج 5 ص 255 .